في كل عام، ومع حلول اليوم العالمي للإبداع والابتكار في الحادي والعشرين من نيسان، يتجدد الحديث عن الأفكار الجديدة والإنجازات الملهمة. لكن في غزة، لا يُقاس الإبداع بفكرة عابرة، بل بقدرة النساء على تحويل الألم إلى فرصة، والظروف القاسية إلى بدايات جديدة، والحرب إلى مساحة لإثبات القوة والنجاح، ومع اندلاع الحرب الأخيرة في السابع من أكتوبر لعام 2023، لم تنتظر النساء الظروف المثالية، بل صنعن طريقهن بأيديهن، وكتبن قصص نجاح تستحق أن تُروى للعالم.
من بين القصص الملهمة التي وُلدت من قلب المعاناة، تبرز تجربة السيدة اعتماد كُلاب، التي قررت أن تواجه قسوة الحرب بإرادة لا تنكسر، وأن تحوّل الألم إلى بداية جديدة. لم تكن إصابتها في يدها اليمنى مجرّد تحدٍ صحي فحسب، بل كانت امتحاناً يومياً لقدرتها على الاستمرار ومواصلة تفاصيل حياتها في ظروف شديدة التعقيد. ومع اشتداد الحرب، وجدت نفسها كغيرها من آلاف النساء في قطاع غزة تواجه النزوح المتكرر، والانتقال من مكان إلى آخر بحثاً عن الأمان، وسط انعدام الخصوصية، وشح الموارد، وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية من ماء وغذاء ودواء. ورغم كل ذلك، لم تسمح اعتماد لهذه الظروف أن تُطفئ حلمها، بل تمسكت بحقها في أن تعيش بكرامة، وأن تبني مستقبلاً مختلفاً لنفسها ولأسرتها.
وسط هذا الواقع القاسي، رأت اعتماد في التعلم نافذة نجاة، وفي العمل فرصة حقيقية لاستعادة السيطرة على حياتها. لذلك التحقت بمشروع حاضنة العمل الحر ضمن برامج التمكين الاقتصادي التي ينفذها مركز شؤون المرأة في قطاع غزة، وهي تحمل أملاً كبيراً بأن تفتح لنفسها باباً جديداً نحو الاستقلال. دخلت البرنامج كمتدربة تبحث عن فرصة، لكنها سرعان ما أثبتت أنها صاحبة عزيمة استثنائية، إذ تعاملت مع كل جلسة تدريبية وكأنها خطوة نحو حياة جديدة. كانت تحرص على الحضور والمتابعة رغم صعوبة التنقل، وتنتظر عودة الكهرباء لتتمكن من تشغيل أجهزتها، وتستغل ساعات الاتصال المحدودة بالإنترنت لإنجاز المهام المطلوبة والتواصل مع المدربين.
ومع مرور الوقت، لم تعد اعتماد تكتفي بتلقي المعرفة، بل بدأت تطور مهاراتها بنفسها، وتبحث عن مصادر إضافية للتعلم، وتجرّب أدوات جديدة تساعدها على دخول سوق العمل الرقمي. كانت تدرّب نفسها لساعات طويلة، وتكرر المحاولات دون ملل، وتحوّل الزاوية الصغيرة التي تقيم فيها إلى مساحة عمل بسيطة تنبض بالإصرار والأمل. وفي كل مرة كانت تواجه عائقاً جديداً، كانت تبتكر حلاً جديداً؛ فإذا انقطع التيار الكهربائي رتبت وقتها على ضوء النهار، وإذا ضعف الإنترنت أعادت المحاولة مراراً، وإذا ضاقت بها الظروف تمسكت أكثر بهدفها.
وبفضل هذا الإصرار، استطاعت اعتماد أن تنتقل من مرحلة البحث عن فرصة إلى مرحلة صناعة الفرصة بنفسها. بدأت العمل عن بُعد وتقديم خدمات إلكترونية، لتثبت أن المرأة الفلسطينية قادرة على المنافسة والإبداع مهما اشتدت الأزمات. لم يكن نجاحها مجرد إنجاز شخصي، بل رسالة أمل لكل امرأة تعيش ظروفاً مشابهة، بأن الحرب قد تضيق المساحات، لكنها لا تستطيع أن تهزم الإرادة أو تمنع الأحلام من النمو. وهكذا تحولت اعتماد من امرأة تواجه واقعاً قاسياً إلى نموذج مضيء للمرأة القوية المستقلة، التي صنعت من قلب الركام قصة نجاح تستحق أن تُروى.
هذا النماذج ليس استثناءً، بل جزءاً من مشهد واسع تقوده نساء غزة يومياً. نساء يفتحن أبواب العمل من داخل الخيام، ويتعلمن تحت القصف، ويبدأن مشاريع صغيرة من قلب الأزمات، ويخلقن فرصاً جديدة رغم محدودية الإمكانيات
وفي ظل ازدياد أعداد النساء المعيلات لأسرهن خلال الحرب، أصبحت برامج التمكين الاقتصادي ضرورة إنسانية ومجتمعية، لا مجرد مشاريع دعم، لأنها تمنح النساء أدوات الاستقلال، وتفتح لهن أبواب الأمل والعمل والحياة خصوصاً بعد زيادة نسبة إعالة النساء لعائلاتهن بعد الحرب بنسبة 7%.
إن قصص النجاح هذه تؤكد أن المرأة الفلسطينية، وخصوصاً في غزة، لا تنتظر النجاة لتبدأ، بل تبدأ لتصنع النجاة. وتثبت يوماً بعد يوم أن الإبداع الحقيقي يولد حين تضيق الخيارات، وأن النجاح يصبح أعظم حين يُنتزع من بين الركام.
فإن نساء غزة لا يصنعن قصصاً عابرة، بل يكتبن فصولاً جديدة من الصمود والابتكار، ويؤكدن للعالم أن النجاح يمكن أن يولد حتى في أكثر الأماكن ألماً