نهي 14 كانون الثاني/يناير 2009 اسمي نهى وعمري 39 سنة. أنا أم لأربعة أطفال: ثلاثة أبناء وبنت. أصغرهم صبي عمره 5 أعوام وأكبرهم بنت في التاسعة عشرة من عمرها. وهي تدرس الطب. خلال الأسبوع الأول لهذه الحرب، منذ 27 كانون الأول/ديسمبر 2008، لم أترك البيت مطلقاً، ولكن بعد أن أدركت أن هذه الحرب لن تكون لمدة أسبوع فقط، قررت أنني لن أستطيع أن أبقى في البيت طوال الوقت. عليّ أن أخرج وأرى الآخرين، وخاصة والدي. عليّ أن ألتقي بالناس حتى لو كان الأمر فيه مخاطرة، مع أنه تظل دائماً هناك إمكانية أن يتعرض المرء للقصف. هذا ما جرى لزوج صديقتي: خرج من المنزل للبحث عن متجر وشراء بعض الطعام للأسرة فأصابته قذيفة. لذلك، قررت أن أزور الأشخاص الذين أعرف أنهم فقدوا أحباء لهم، أو فقدوا منزلهم، أو حتى لمجرد الخروج حتى أرى كيف تبدو الأمور. أعتقد أننا جميعنا كنا في البداية في حالة صدمة، ولكننا الآن نفهم الأمور بشكل أفضل، وأنا أدرك أن عليّ أن أجازف وأخرج من المنزل.
ينبغي علينا أن لا نستسلم لمخاوفنا. فقصتنا طويلة، ويبدو أن هذه الحرب ستطول أيضاً. طبعاً يظل الخوف موجوداً دائماً. فأنا أشعر أن الخوف يعيش معنا، ولكن ذلك لا يعني أن نستسلم له. ذات يوم أخذت بعض الملابس لجارتي حتى تحملهم لأختها التي دمر منزلها. يكون شعوري أفضل عندما أتمكن من أن أفعل شيئاً لصالح الآخرين.
من الأكيد أنه يكون من المستحيل الخروج من المنزل بعد الثامنة مساءً. فالليل يكون مخيفاً، إذ لا يستطيع المرء أن يرى أين يقع الهجوم، فلا يرى إلا النيران ولا يسمع إلا الأصوات المروعة، دون أن يتمكن من أن يعرف أين هو يوجد في وسط هذا الهجوم. آه، إن نوافذ غرفتي تهتز الآن، أثناء حديثي معكم! الحمد لله أننا نبقيها مفتوحة!
في الواقع، لست الوحيدة التي تقرر أن تخرج من المنزل. فقبل أيام كنت أضحك لأننا سمعنا أحدهم في منتصف النهار ينادي: بندورة! خيار! خضار للبيع! في البداية لم أدرك أن الأمر حقيقي ولم أصدق أذنيّ، فذهبت إلى النافذة ورأيت رجلاً يجر عربة ويبيع الخضار! فقلت لزوجي يوسف: "أترى؟ لست الوحيدة التي تقرر الخروج من المنزل". واشترينا بعض الخضروات من الرجل. كان يزرع هذه الخضروات في حديقة منزله وكان بحاجة لأن يبيعها مقابل النقود. هكذا تتواصل الحياة وهكذا نحافظ عليها في ظل الحرب.
عليّ أن أخبركم أنني محظوظة لأني أعيش في جزء من رفح ليس قريباً من الحدود مع مصر، وليس قريباً من البحر، وهذان الجزءان هما اللذان يتعرضان لأعنف هجوم.
أنا أشعر بحزن شديد بسبب الدمار الذي أراه. سنحتاج لما لا يقل عن 20 سنة لإصلاح كل هذا الدمار. لقد دمروا كل شيء، لقد دمروا غزة التي نعرفها.
ابني الذي يبلغ من العمر خمس سنوات والابن الأكبر الذي يبلغ العاشرة دائماً يسألان أباهما ويسألاني إذا كانا سيموتان، وإذا كان منزلنا سيقصف. لذلك أنا ألعب معهما كثيراً في البيت وأروي لهما الحكايات والنكات حتى ينسيا. ما أخشاه أن تترك هذه التجربة علامة دائمة في حياتهما، وأن يترك أثر هذه الحرب ندبة نفسية لهما. فالأطفال يشعرون أن شيئاً مخيفاً على وشك أن يحدث، نوع ما من الكارثة، ولكنهم لا يعرفون متى. وفي الواقع، نحن جميعنا نشعر أننا ننتظر شيئاً – شيئاً مروعاً. إن أباهم يحدثهم عن تجربته في السجن، فقد بقي في السجون الإسرائيلية لفترة تصل بمجملها إلى ستة أعوام. ولذلك، فهو يحدثهم عن أشياء مسلية حدثت معه وهو في السجن، وعن أمور أخرى لمساعدتهم على أن لا يخافوا من الاحتلال الإسرائيلي. وأنا أشعر بالحزن لمعرفتي أنني لن أستطيع أنا أو أبوهم أن نحميهم، ولكن علينا مع ذلك أن نحاول أن نحمي عقولهم بقدر ما نستطيع. أظن أننا بعد الحرب سنحتاج إلى الكثير من المساعدة والدعم في مجال الإرشاد. وعلينا أيضاً أن نزور كل أولئك الذين فقدوا أحباء لهم، وأن ندعم كل الذين فقدوا منازلهم. فهم الآن لا يملكون شيئاً، وسيحتاجون إلى مساعدة في بناء منازلهم وتأثيثها من جديد. أنا أفكر أيضاً بالمدارس والمعلمين الذين سيحتاجون إلى تدريب حتى يتمكنوا من التعامل مع الأطفال الذين يعانون من الصدمة النفسية، مع أنهم ربما هم أنفسهم يعانون من الصدمة أيضاً. ولكن الأطفال يتطلعون نحونا نحن الكبار بحثاً عن الدعم والحماية.