مركز المرأة للارشاد القانوني و الأجتماعي
English vesion
أتصل بناالصفحة الرئيسية
أرشيف الأخبار  
أخبارنا في الأعلام  
بيانات صحفية  
برامج ومشاريع  
إصــدارات  
اتصل بنا  
القيم والمبادئ التي تُسيّر عمل مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي
 
صـدر حـدّْثا  






 
قصص وأصوت نساء من غزة
17/01/2009

مها:
11 كانون الثاني/يناير 2009.
أنا مها من مدينة غزة. أنا أعيش حالياً في منزل أهلي في رفح، إذ كنت أزورهم عندما اندلعت الحرب. وصلت رفح يوم الخميس 25 كانون الأول/ديسمبر، ثم بدأت الحرب يوم السبت ولم أتمكن من العودة إلى شقتي. في الواقع، لم أتمكن أنا وأي من العائلة من مغادرة منزل أهلي منذ أن بدأ القصف. وقد بقينا بدون كهرباء لمدة أربعة أيام، ولكننا محظوظون في رفح لأننا نحصل على الكهرباء من مصر، ولذلك فقد كانت الكهرباء متوفرة لنا أغلب الوقت. إلا أن الكهرباء قد انقطعت منذ أربعة أيام لأن القذائف الإسرائيلية أصابت مصدر الكهرباء وأصبح بحاجة إلى تصليح. ولا أعرف إن كان بإمكان الفنيين أن يصلحوه تحت النيران.
تقع شقتي في مدينة غزة على الطابق الثامن، ولكني أفضّل أن أتواجد هنا في هذا المبنى المكون من طابقين لأنني مع عائلتي. للعلم، هذا المنزل حصل عليه أهلي من الأونروا لأن منزلنا السابق تم تدميره قبل أربعة أعوام أثناء واحد من الاجتياحات الإسرائيلية العديدة في منطقتنا. هنا في رفح، كما في كل مكان في غزة، يعيش الناس على مقربة كبيرة بعضهم من بعض، ولذلك فعندما يتعرض منزل أو مبنى آخر للقصف، تتأثر كل المباني من حوله. نحن نسمع دوي القذائف طوال الوقت ومن الخطورة أن نخرج من المنزل. هناك أمر آخر، وهو أن منازلنا في المخيم مبنية من الإسمنت وليس من الحجر، ولذلك فهي غير متينة لدرجة أن بعض المنازل تتشقق بسبب أصوات القذائف.
في هذا الوقت، يوجد في المنزل سبعة بالغين وطفلان: أنا وأمي التي تبلغ من العمر 70 عاماً، وعمتي التي تبلغ 90 عاماً وتعاني من الشلل، وشقيقتاي البالغتان من العمر 34 و37 عاماً، وأخي وزوجته وطفلاه اللذان يبلغ أحدهما من العمر شهرين والآخر سنة ونصف السنة. أما شقيقتي الأخرى رانية فتقيم في مدينة غزة مع زوجها وأطفالها الثلاثة. هي مديرة مدرسة، وفي اليوم الأول للحرب كانت تجري مقابلة مباشرة مع محطة إذاعة محلية، وكانت قد حوّلت هاتفها المحمول ليعمل بنظام الصامت. زوجها أيضاً معلم، وأطفالها الثلاثة يذهبون إلى المدرسة في الفترة المسائية، وكانوا في البيت يستعدون للمغادرة عندما بدأ القصف. إحدى القذائف أصابت البناية المكونة من 11 طابقاُ بالقرب من منزلهم، ودمرتها كلياً. كان الأطفال لوحدهم في البيت، وعندما سمعوا صوت القذيفة أحسوا بذعر شديد وحاولوا الاتصال بأمهم، التي هي شقيقتي. ولكنها لم تعرف لأن هاتفها المحمول كان على نظام الصامت. وما أن أنهت المقابلة، تلقت عدة اتصالات من صديقاتها ومن زوجها يخبرونها أن البناية القريبة من منزلها قد دمرت وأن أطفالها لم يكونوا قد ذهبوا إلى المدرسة. فأصيبت بهلع شديد وأصبحت في حالة هستيرية. فسارعت إلى البيت لتجد الأطفال في حالة من الهلع وفي وضع مريع. أنا أيضاً شعرت بالخوف الشديد وكنت أحاول الاتصال بها للاطمئنان على سلامتها وسلامة أطفالها.
خلال الوقت الذي لا تتوفر فيه الكهرباء، نقوم بإشعال مصابيح الكاز. وهذا ليس ضرورياً لنا نحن فقط ولكن لابن أخي الصغير أيضاً. كم من الغريب أنه يستطيع أن يميز الظلمة بسرعة، وحالما يحل الظلام يبدأ بالبكاء طوال الوقت. لذلك، فنحن نبقي المصباح بالقرب منه فيتوقف عن البكاء على الفور.
أعتقد أن هذه الحرب تمثل أسوأ تجربة مررت بها في حياتي، فهي مختلفة عن كل الاجتياحات والاعتداءات الأخرى التي تعرضنا لها. ولكنها أيضاً تأتي بعد ثلاثة أعوام متواصلة من الحصار والاجتياحات. هذه المرة، الإسرائيليون لا يقصفوننا فقط، بل هم أيضاً يهاجموننا نفسياً. تبدأ الحرب النفسية باتصالات هاتفية من الجيش الإسرائيلي. لقد تلقينا اتصالاً هاتفياً مسجلاً يقول لنا أن نعطيهم أية معلومات قد تتوفر لدينا عن المقاتلين الفلسطينيين ويهددون بأننا سنصبح أهدافاً للقصف إذا لم نفعل ذلك. هناك أشخاص آخرون نعرفهم تلقوا اتصالات هاتفية مسجلة تقول لهم: إننا سندمر منزلكم وعليكم أن تغادروا المنزل على الفور. آخرون تلقوا رسائل قصيرة على الهاتف المحمول. المشكلة أنه لا يوجد لنا أي مكان نذهب إليه، ولا يتوفر لنا أي مأوى نلجأ إليه.
الأمور داخل المنزل ليست سهلة، ففي أيام كثيرة نعيش بدون ماء وكهرباء، وأحياناً يتوفر الماء ولا توجد كهرباء، فنضطر لأن نوقد النار باستعمال الحطب وحتى ما نستطيع أن نجمعه من ورق وكرتون. وليس من السهل الاستحمام، فأنا أخشى أن يقصف المنزل أثناء قيامي بالاستحمام، وهذا الشعور ذاته يراود كل من في العائلة، ولذلك فنحن نستحم في اليوم ذاته بالدور الواحد بعد الآخر، حتى نكون متيقظين في حال حدوث أي طارئ. في أغلب الوقت، نضطر إلى تسخين الماء على النار، ولذلك نستحم جميعنا خلال ساعة حتى نتمكن من استخدام الماء الساخن ذاته.
أمي وأنا نشعر بالقلق الشديد على شقيقتي رانية التي تعيش في مدينة غزة. لم يتوفر لدى رانية أي طحين لكي تصنع الخبز، ومن المخاطرة أن يغادر المرء المنزل لشراء الخبز أو الطحين. قالت لنا رانية أن صديقات لها من مخيم مجاور خاطرن بحياتهن لكي يحضرن لها شوالاً من الطحين، ولذا فهي الآن تملك ما يكفي لكي تطعم عائلتها. هم أيضاً يعانون من نقص الكهرباء، وقد أخبرتنا أنها تقوم مع جاراتها بجمع الورق والحطب والكرتون لإشعال النار حتى يقمن بتسخين الماء وصنع الخبز لجميع المنازل. والأطفال أيضاً من جميع العائلات يجتمعون معاً لكي يحصلوا على بعض الدفء في أثناء قيام أمهاتهم بتسخين الماء وصنع الخبز. وأحياناً يكون هذا هو الوقت الوحيد الذي يتمكنون فيه من الحصول على الدفء.
كنت أشعر أيضاً بالقلق على صديقة لي تقيم في مدينة غزة في بناية على الطابق العاشر. كانت الخطوط مقطوعة ولم أتمكن من الاتصال بها، ولم تكن بطارية هاتفها المحمول تعمل. فبدون الكهرباء تكون هناك أشياء كثيرة لا تعمل. أخيراً، نجحت هي بالاتصال بي وأخبرتني أنها اضطرت لأن تغادر منزلها وأنها بخير ولا داع للقلق. ولكن لم تصلني أية أخبار منها منذ ذلك الحين.
أمي لا تنام، وتظل تمشي من جانب إلى آخر، وكلما سمعنا دوي قنبلة ترفع صوتها بالدعاء والصلاة. وفي كل صباح تقول: الحمد لله أن لدينا صباحاً آخر نعيشه، وأننا لا نزال على قيد الحياة ولا نزال مجتمعين معاً. أما بشأن عمتي التي تعيش معنا، فهي تعاني من شلل تام وتحتاج إلى مساعدة منا في كل شيء في حياتها. هي لا تستطيع الحركة، ولذلك فعلينا أنا وشقيقتيّ وأمي أن نطعمها ونحممها ونقوم بكل شيء لها. إنها امرأة قوية، وهي تقول لنا: "أنا لست خائفة، مع أن هذا يختلف كثيراً عما عشته خلال العام 1948، ولكني لست خائفة". وهي تروي لنا القصص دائماً عما تتذكره عن العام 1948. بعض قصصها مضحك ومسل وبعضها حزين بقدر ما هي حزينة أيامنا هذه.
من الأمور الغريبة رد فعل ابن أخي. عمره شهران، وهو يخاف كثيراً من الظلمة. وما أن يحل الظلام حتى يبدأ بالصراخ، فنضطر لأن نضع النور قريباً منه، فيرى النور ويتوقف عن البكاء على الفور. أعتقد أن الأصوات التي يسمعها هي أيضاً تجعله يشعر أنه في وضع غريب وبيئة غير معتادة.
أنا أشعر في هذه الأوقات كما لو أن كل الأمور اليومية الصغيرة في حياتي أصبحت متعبة وتشعرني بالتوتر. أعني بذلك متى ننام، وكيف ننام، وكيف نأكل ما نأكله. كما ألاحظ أن أمي تأكل أقل من المعتاد لكي تبقي المزيد من الطعام للآخرين، حتى وإن لم تقل ذلك. والأمر ذاته بالنسبة لي ولشقيقتيّ، فأعتقد أن الجميع يقلون من تناول الطعام. وأشعر بالقلق عندما ينفد الطعام الذي يحبه ابن أخي، ولذلك فكلما سنحت لنا إمكانية شراء الطعام يكون أهم شيء أن نشتري الطعام للأطفال.
أنا أشعر بقلق شديد بخصوص ما سأراه عندما أغادر المنزل بعد أن تنتهي هذه الحرب. أتصور أن الشوارع والمنازل والمباني وكل شيء سيدمر، وتظل تسونامي تراود تفكيري. لا شك ستلزمني الشجاعة لكي أخرج وأرى المكان مرة أخرى. لا أستطيع أن أتخيل كم هي قوية القذائف التي يستخدمها الإسرائيليون. فأنا أسمع الأبواب تتحطم والنوافذ والزجاج يتهشم ودوي القنابل وهي تسحق الشوارع. الأصوات مرتفعة جداً لدرجة أنها تجعلني أرتجف. أحياناً لا أشعر بساقيّ، فهما ترتجفان دائماً ولا أستطيع أن أوقفهما. أنا لست من نوعية الأشخاص الذين يغمرهم الخوف بسهولة، ولكن الضجيج والأصوات مرعبة لدرجة أن جسمي كله يرتجف. وأشعر أن عقلي يتوقف عن العمل لفترة من الوقت عندما أسمع كل ما أسمعه.

    جيهان
    سوسن
    صباح

 
     
     
الــوحــدات
 
تـقــاريـر
نشرات
مؤتمرات  
مقالات  
البوم الصور  
روابـط مفيـدة  


للانضمام للقائمة البريدية
العنوان الألكتروني:
الاسم:





      © 2007 مركز المرأة

جميع الحقوق محفوظة