Arabic
Home >

هدية الثامن من آذار

 التاريخ:6/3/2014

هدية الثامن من آذار ... باقة من دماء النساء
 
نَشر خبر  قتل إمرأة على يد زوجها قبل يومين في مدينة رام الله، وهي بالمناسبة حالة القتل الثامنة لنساء منذ بداية هذا العام، أثار سلسلة لا تكاد تنتهي من التعليقات وردود الفعل، بدءاً من وسائل الاعلام المختلفة، وكيفية تناولها وصياغتها للخبر بتفاصيله، ومصادر معلوماتها وتركيزها على مضامين محددة في الخبر، مروراً ببعض الهيئات والمؤسسات المهنية والنسوية والحقوقية، وخاصة نقابة المحامين الفلسطينيين عبر بيانات وتصريحات رسمية، وإنتهاءاً بمواقع التواصل الإجتماعي التي زخرت بكم كبير جداً من التعليقات والردود والحوارات حول حادثة القتل الأخيرة خاصة، وموضوع قتل النساء بشكل عام. نظرة سريعة وإجمالية على ما كُتب حول هذا الموضوع يقدم لنا صورة مكثفة تستوجب التوقف عندها وفحصها، وعدم المرور عليها مر الكرام.
 
في إعتقادي ان مجمل ما كتب يتمحور حول ثلاث توجهات أولها مرتبط بالإعلام ودوره في العنوان العريض وهو قتل النساء، وتفاصيل أداء هذا الدور، وهذا ينطلق بالأساس من الاعتقاد بأن للإعلام دور هام في تشكيل، أو إعادة تشكيل، توجهات الرأي العام في القضايا والموضوعات المختلفة. أما التوجه الثاني فهو المرتبط بالمؤسسات والهيئات المختلفة ودورها في تناول ظاهرة قتل النساء ومدى قربها أو بعدها من العمل المباشر في تحفيز نقاش مجتمعي حولها تمهيداً لتصحيح توجهات سلبية قائمة، والتأسيس لبناء توجهات أكثر إيجابية وقادرة على الفعل لوقف الظاهرة مرة واحدة والى الأبد. أما التوجه الثالث الذي لاحظته، وخاصة عبر وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة، هو التوجه الذي يبحث دائماً عن الإثارة وينتقي الأحداث التي يمكن ان تجلب الإهتمام العام، ويدلو بدلوه فيها، ربما للإيحاء بأنه موجود دائماً في قلب الحدث، وهذا التوجه في إعتقادي ربما ينطبق عليه المثل الشعبي الذي يصفهم بالقول "يريدون عرساً يرقصون فيه". طبعا الحدود والفواصل بين التوجهات الثلاث التي ذكرتها في الغالب تكون متداخلة ومترابطة ويسهل على الكثير من الأفراد التنقل بينها ومن خلالها.
 
بالنسبة للإعلام فإن الملاحظة الأبرز في التعاطي مع هذا الحدث هي الخبر نفسه، وطريقة صياغته، والرسالة أو الرسائل التي يمكن، أو يجب، أن يوصلها الخبر للجمهور. وسوف أنطلق هنا من وجهة نظر تعتقد أن الإعلام موضوعي لكنه غير حيادي، بمعنى أن الإعلام الحقيقي يجب أن يكون منحازاً لقضية أو هدف محدد، دون أن يمس ذلك بموضوعيته ومهنيته وقدرته على تسليط الضوء على الحقيقة كما هي. الكثير من وسائل الإعلام المحلي تناولت الخبر هذا اليوم تقريبا تحت نفس العنوان وهو "محام مخمور يقتل زوجته في رام الله". وتساؤلي من ناحية مهنية حول العنوان، ولاحقاً تفاصيله، حول الرسالة الأساسية التي يركز عليها القارىء أو المستمع أو المشاهد لمثل هذا العنوان؟ على الأقل، ودون إفتراضات سلبية، فإن العنوان قد يحتمل التركيز على كون القاتل محامي ورجل قانون، وهذا الإحتمال أكد صحته سرعة تدخل نقابة المحامين وفحص قوائم وسجلات أعضائها ومن ثم النفي المطلق بأن يكون القاتل عضواً فيها، وكأن القضية هنا هي كونه محامي أو صاحب مهنة أخرى؟ مسجل في نقابة المحامين أو غير مسجل فيها؟ أما الإحتمال الآخر فهو تركيز البعض على أنه كان مخموراً، وهذا أيضاً من شأنه أن يذهب بالقارىء بعيداً عن جوهر ومضمون القضية، وربما يثير هو الآخر بعض ردود الفعل التي تفحص في آثار شرب الخمر وسلبياته. وفي كلا الحالتين فإن الإعلام يتحمل مسؤولية في "تشتيت" القضية او الموضوع، عوضا عن تركيزه، حتى لو كان ذلك بصورة غير مقصودة.
 
بالنسبة "للراقصون في الأعراس" فإن ردود فعلهم أكثر سذاجة وبساطة، لدرجة أنه يسهل على أي كان ملاحظتها، وربما توقعها في مرات قادمة. حيث ركزت ردود الفعل هذه على السب والشتم وتوزيع التهم والإتهامات يميناً وشمالاً، وطالت ألسنتهم كل من الرئيس ومحيطه، والحكومة ووزرائها وهيئاتها ومؤسساتها المختلفة، الأحزاب والقوى السياسية، قياداتها وكوادرها على السواء، الهيئات التشريعية والقضائية على إختلافها، الهيئات والمؤسسات المجتمعية المختلفة دون إستثناء، الهيئات الحقوقية، بما فيها النسوية التي تعمل في معظمها في التصدي لظواهر العنف والتمييز ضد النساء، بما في ذلك عمليات القتل. السؤال الرئيسي الذي يقف في وجه  هذا الإتجاه وأصحابه هو: ماذا ومن يتبقى من المجتمع إذن؟! انتم فقط؟! ربما يكون ذلك التحليل صحيح الى حد كبير لانه مثلا أحد أصحاب هذا الإتجاه أخذته الحمية الى حد مطالبته بجملة من المطالب لوقف ظاهرة قتل النساء، أقل ما يقال عنها أنها رفعت السقف أعلى كثيراً من سقف المؤسسات النسوية والحقوقية نفسها، حين طالب بتطبيق حكم الإعدام في هذه الحالات!!
 
 
جملة ما أثرته أعلاه يدعو للتساؤل والبحث لكي نتمكن من الخروج بإجابات. لن نتمكن من إيجاد أجوبة وحلول صحيحة وقابلة للتطبيق والتنفيذ دون أن نقوم بعملية تشخيص صحيحة ودقيقة للمشكلة وجذورها ومنابعها. بديهات التشخيص أن نبحث في الأسباب العامة والرئيسية مثلما نبحث في الأسباب المباشرة والملموسة. وفي إعتقادي ان الأسباب العميقة تكمن في القيم وأخلاقيات المجتمع عامة، أخلاقياتنا نحن جميعاً وفي كل المجالات، على إعتبار أن الاخلاقيات والقيم هي كل متكامل، ومنظومة موحدة ومتماسكة، وتفقد قيمتها وقوتها عند تجزئتها أو التعامل معها بإنتقائية. كما أن القيم ليست شعارات نكتبها على صفحات التواصل الإجتماعي، ونعلقها على جدران بيوتنا ومكاتبنا ومؤسساتنا، ونتغنى بها ليل نهار. وإرتباطاً بذلك وبالتوجهات الثلاث التي تحدثت عنها فإنه يظهر للملأ  أن هناك الكثير من التناقضات، وهو ما يثير البلبلة والإرتباك، ويسبب إحباط وشلّ القدرة على البحث والتشخيص الدقيق.
 
في الواقع والحقيقة فإن كل ذلك ناتج بالأساس عن تراجع أهمية القيم وتأثيرها على مجمل سلوكياتنا وتصرفاتنا، أو التعامل معها إنتقائيا، ووفق متطلبات المصلحة والذاتية والموقف والحدث. وفي هذا يمكن بعض التفسير في التساؤل حول لماذا نتهم جهات محددة بالمسؤولية مثلا ثم نواصل العمل معها بصورة طبيعية، مثلا لماذا نتهم الأحزاب السياسية بالتقصير، ثم نسارع الى التنسيق معها؟! أو نشير الى الجهات القضائية ثم نفتح قنوات إتصال معها؟! نتهم الحكومة ومؤسساتها في مجال معين في حين أننا نعمل بوقاً لها في مجالات أخرى! نسارع الى نقل وتناقل أخبار قتل إمرأة ونتعامل معه بصورة سبق صحفي فقط لا غير! ودون التدقيق في مضمونه ومحتواه والرسائل والمعاني التي يحملها. وحتى حين يحمل الخبر أو التقرير الإعلامي مضمون يشير الى انحيازه الى قضايا المرأة مثلا، فإنه ليس من الصعب أن تجد في نفس النشرة أو العدد أو  حتى الصفحة، خبر أو إعلان.. أو غيره من المواد ما يبث ويرسل رسالة معاكسة، أو مناقضة! مثلا، وليس للحصر، حين تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي قبل أيام بتندر  صورة إحدى صفحات الصحف المحلية تحتل الجزء الأكبر منها صورة فتاة بلباس إثارة الى جانب كاركاتير لأحد شهداء فلسطين.  وفي مثال آخر ان رئيس تحرير إحدى وكالات الأنباء التي ترى رسالتها في "تعزيز مفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان" يكتب عن السياسة مقالة بعنوان يعنونها "ما كانت الحسناء ترفع سترها لو ان في هذي الجموع رجالا".
 
 
 والتندر هنا يشير الى المعنى ان القضايا والقيم لا يمكن تجزئتها. بمعنى أنه من الصعب الجمع بين الإنحياز للمناضلين والشهداء من أجل شعبهم وقضيتهم وبين من يسعى للربح حتى لو كان بإستغلال صورة جسد المرأة، وهنا المفارقة. ولا يمكن الجمع بيت تعزيز قيم الديمقراطية وحقوق الانسان في حين نرسخ، قصداً أو من غير قصد، ثقافة إنتهاك حقوق المرأة عبر تكريس قيم ترسمها بصورة نمطية وتعطيها دور تقليدي، خاصة أنه لا تزال لدينا وبيننا إتجاهات تنحاز للإتجاه المضاد، أقصد تعلن إنتمائها للقيم التي تحط من قيمة المرأة ومكانتها، وتؤيد جهاراً نهاراً فكرة ومبدأ إنتهاك حقوقها المختلفة وفي مقدمتها الحق المقدس في الحياة. ومع الأسف يبدو ان تلك الإتجاهات تبدو في منهج عملها ونشاطها أكثر تنظيما وتماسكا.
 
خلاصة القول أنني هنا لا أهدف الى النقد والتجريح بقدر ما أهدف الى دعوة الجميع الى الوقوف وقفة تقييم عميقة وجادة للفكر والرؤيا بتكامل وشمولية، لأنه سينعكس تماما على الخطط ومناهج العمل والأداء والمواقف والسلوكيات في إتجاهها العام. واذا كانت كلها متماسكة فان التماسك سينعكس في النتائج والقدرة على تحقيقها. أما إذا كانت النتائج أقل من المتوقع والمأمول فإنه يجدر بنا جميعا، أفراد وهيئات ومؤسسات، أن نعيد فحص أفكارنا وقيمنا ومناهج عملنا التي تنعكس على مواقفنا وسلوكياتنا اليومية. وحينها فقط نتمكن من وضع أيدينا على الجرح ونتعرف على طريقة علاجه، بدلاً من دخولنا في حلقة مفرغة من الفعل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، أو الدخول في مزاودات ومهاترات جانبية لا تحقق سوى تشتيت وشرذمة الجهود. هنا، وهنا فقط نتمكن من فعل شيء للنساء والفتيات اللواتي يُقتلن يوميا، لا لشيء سوى كونهن نساء. وحينئذ نستطيع ان نحتفل بالثامن من آذار يوم المرأة العالمي، بباقة من المنجزات والمكتسبات، عوضا عن باقة مخضبة باللون الأحمر القاني.