| يتم تصنيف النساء عادة كدرجة ثانية في المجتمع أو كفئة ضعيفة تحتاج الحماية والرعاية الخاصة من المجتمع ككل، وتعتمد هذه النظرة للمرأة على موروث ثقافي تاريخي اجتماعي طويل يضع النساء كمرتبة دنيا بالرغم من الدور الكبير الذي تساهم به في هذا المجتمع، فالمرأة من يتحمل عبء تربية الأولاد والحفاظ على شكل الأسرة ولو كان سيؤثر عليها سلباً، وربما هذا مايعزز سكوتها ورغماً عنها عن العنف الذي تتعرض له وفي بعض الحالات قبولها له وتبريره، وهذا ماأشار إليه عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو وأطلق عليه مصطلح (العنف الرمزي) حيث يقول عنه في كتابه عن السيطرة الذكورية أنه " عنف هادئ لا مرئي لا محسوس حتى بالنسبة الى ضحاياه ، ويتمثل ان تشترك الضحية و جلادها بالتصورات نفسها عن العالم والمقولات التصنيفية نفسها ، وان يعتبرا معاً بنى الهيمنة من المسلمات والثوابت ، فالعنف الرمزي هو الذي يفرض المسلمات التي اذا انتهينا اليها و فكرنا بدت لنا غير مسلم بها" .
ولو تابعنا أمثالنا الشعبية والتي تعكس ثقافة مجتمعنا وتبرز منه لوجدنا تعزيزاً للنظرة الدونية للمرأة وتعزيز لدور المجتمع كحامي لها نظراً لأنها الضلع القاصر فيه، وعليه وبما أن القانون وجد لحماية الفئات الأضعف في المجتمع والتأكيد على حقوقهم التي من الممكن أن تنتهك من الفئات الأقوى، ولرفضنا فكرة أن القوي يضع القانون لمصلحته الخاصة فقط على حساب الفئات الأخرى، كان لا بد على المشرع أن يفرد لخصوصية وضع المرأة ما يحميها فعلا من قوانين وإجراءات تنسجم مع خصوصية هذا الوضع حتى لو كان غير منسجم مع فكر المجتمع الذي يرسخ هذه الدونية بعدة طرق تتمثل برضى مبرر ومخفي عن العنف الممارس ضد المرأة كالضرب مثلاً، حتى أن البعض يستشهد بالتراث الثقافي للتأكيد على الفكرة فيختار من جميع أمثالنا الشعبية مثل (النساء كالزيتون لا يحلى إلا بالرص) أو يحاول البعض الآخر التأكيد على فكرة الضرب من خلال بالآية القرآنية (قال تعالى: " واللاتي تخافون نشوزهن فعضوهن واهجورهن في المضاجع واضروبهن، فان اطعنكم فلا تبقوا عليهن سبيلاً " سورة النساء 34 ) ويضيق النطاق ليصبح الجدل القائم هو حول كيفية هذا الضرب والأداة التي تستخدم للضرب، مع العلم أن مقاصد التأديب والتفسيرات مختلفة حول مسألة الضرب الواردة في هذه الآية حيث ذهبت منها بعض الآراء إلى أن المقصود من كلمة الضرب لغوياً في هذه الآية هو الترك، فضرب الرجل بالأرض أي ارتحل فيها فالضرب هو المسير أو الترك، أي أن المقصود هنا هو اتركوهن وهذا ماذهبت إليه الاستاذة فريدة بناني، وعليه وكي لا ندخل في جدالات تفسيرية تبرر أو تقف بوجه قضية الضرب دينياً، لابد لنا من الحديث عن واقع المرأة واشكالياتها القانونية المختلفة مع هذه القضية والازدواجية الاجتماعية في التعامل مع هذه المسألة، أي أن المجتمع قد كرس دونية المرأة وبنفس الوقت وقف عاجزاً وأحياناً مباركاً لانتهاك حقها بسلامة بدنها، عدا عن مطالبته لها بالرضا والسكوت عن كل ما تتعرض له حماية لكيان الأسرة، وكأن بقاء هذا الكيان يتوقف فقط على طرف من الأطراف دون الآخر، وكأن الحفاظ على كيان الأسرة مع الحط من قدر طرف من الأطراف سينشأ أسرة سليمة، هذا الفصام الذي يعاني منه مجتمعنا مابين الرغبة بحماية الفئة الضعيفة واستنكار لجوئها لطلب هذه الحماية عزز مسألة قبول المرأة ورغماً عنها لانتهاك بدنها مهما بلغ الأذى الواقع عليها وأيضاً جرمها حال شكواها أو تذمرها، ومن هنا يصطدم القانون مع العادة المتبعة في المجتمع والتي ترسخ الدور الذكوري في مجتمعاتنا العربية، فالقانون ومع قصوره في هذه القضايا يتضارب بشكل أو بآخر مع ثقافة المجتمع السائدة.
وبالحديث عن قصور القانون لابد من الحديث عن قضايا الايذاء في القانون بحيث تم ربط العقوبة بالأذى الفادح، وأوقفت المتابعة القضائية للقضايا التي لا ينجم عنها تعطيل أو مرض أو عاهة أو أي تشوه على شكوى مقدمة من الضحية نفسها، أي أنه لا تتم متابعة مثل هذه القضايا من قبل الجهات المختصة إلا في الحالات الحرجة والتي تزيد فترة التعطيل فيها نتيجة الضرب عن 10 أيام، هذا عدا عن أن المواد القانونية التي تتحدث عن مسألة الايذاء كانت تتحدث عن أي ضحية للضرب بشكل عام ولم تتعامل مع خصوصية وضع المرأة وخصوصاً المرأة المعنفة داخل الأسرة، على سبيل المثال المادة 333 من قانون العقوبات نصت على " كل من أقدم قصداً على ضرب شخص أو جرحه أو إيذائه بأي فعل مؤثر من وسائل العنف والاعتداء نجم عنه مرض أو تعطيل عن العمل مدة تزيد على عشرين يوماً، عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات "، ذلك عدا عن أن التعطيل الذي تشير إليه المادة والمشترط للعقوبة محدد بالتعطيل عن العمل، وهنا ندخل باشكالية أخرى وهو هلى تعتبر جميع النساء بالمجتمع الفلسطيني نساء عاملات؟ فهناك عدد كبير من النساء تخرج من نطاق النساء العاملات، وماهو معيار القياس لهذه الفئة؟ وهل تخرج النساء كنتيجة لهذا التحديد من نطاق المواد المتعلقة بالايذاء (المواد من المادة 333 إلى المادة 337 من قانون العقوبات الردني لعام 1960م المطبق لدينا)، وحتى مع وجود هذا القصور القانوني إلا أن القصور الآخر يقع التطبيق فمع كل هذا نرى أن الحماية للنساء لم تأخذ على محمل الجد من رجال الضبط القضائي ويكون التعامل مع القضايا التي تتعرض فيها النساء للعنف الجسدي متفاوت، ففي بعض الحالات تتم المتابعة والتحويل للجهات القضائية المختصة، وفي حالات أخرى يتم الضغط أيضاً على النساء للتنازل عن شكواها المقدمة.
يتم طرح هذه الأسئلة مع إزدياد العنف بشكل عام في المجتمع الفلسطيني بشكل عام، ونتيجة لوجود الفرد ضمن حلقة العنف اليومية التي يتعرض لها في حياته بشكل عام ويقوم بعكسها على الأفراد المحيطين به، ولرغبتنا في التأكيد على حق المرأة بسلامة جسدها من الايذاء، دون تبرير ما تتعرض له على أساس ثقافي أو اجتماعي وتطويع القانون ضمن عقلية الفرد الذكورية، وللتأكيد على سلطتنا ومشرعنا للالتزام بالاعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة (سيداو) والتي ألزمت نفسها كسلطة به، ونأكد على ماتضمنه من التزامات للدول "على الدول ادانة العنف ضد المرأة ، ولا يجوز الاستشهاد بأي عادات او تقاليد دينية او اجتماعية لتجنب التزامها فيما يتعلق بالقضاء على العنف، وعلى الدول منع سياسة العنف ضد المرأة مستعملة بذلك كل الطرق والوسائل المناسبة وبدون أي تاخير".
|