رسالة مديرة المركز للعام 2010
نستلهم الماضي.. ونسير نحو المستقبل
شعارنا للاعوام 2010-2012

في حياة كل فرد أو جماعة محطات بارزة يقاس بها الزمن، وتستخدم للتذكير بأحداث أو مناسبات أو تجارب معينة يمر بها الفرد أو الجماعة، من خلال ربطها بهذه المحطات البارزة. ونحن، في الظرف الفلسطيني الخاص، دأبنا على قياس الزمن بالنكبات والكوارث، سواءً تلك الناتجة عن الطبيعة أو تلك التي من صنع الإنسان.
كان أجدادنا يقيسون الزمن بشكل مختلف عما نفعله نحن في الأزمنة المعاصرة. فمثلاً كانت جدات من هم في جيلي يربطن ما بين المناسبات المهمة، مثل الولادات والزيجات والوفيات وما إلى ذلك، وبين "سنة الهزة"، أي السنة التي وقعت فيها الهزة الأرضية في 1927، وكانت جدات جداتنا يربطن ما بين المناسبات والأحداث العائلية المهمة وبين الهزة الأرضية التي حدثت في سنة 1837، لأنها تسببت بدمار كبير في المدن الكبيرة، وخاصة نابلس، مما أدى إلى إصابات عديدة وأجبر السكان على الخروج من مدنهم وبلداتهم. فبالنسبة لأبناء تلك الأجيال، ظلت الهزة الأرضية علامة بارزة في حياتهم. أما بالنسبة لجيل أمي وجيلي، فالعلامات البارزة كلها تتعلق بالصراع مع الصهاينة من أجل السيطرة على أرض فلسطين.
1936 – الثورة الشعبية
1948 – النكبة
1967 – النكسة
1987 – الانتفاضة الأولى
2000 – الانتفاضة الثانية
حتى أن الأسماء التي تحملها هذه العلامات الفارقة تعكس محطات من الهزيمة والمقاومة في صراعنا المستمر في سبيل المحافظة على وجودنا الوطني، وبقائنا على أرض وطننا فلسطين.
تخلل هذه المحطات الكارثية البارزة سياسة ممنهجة ومتواصلة في السعي للقضاء على القيادة الوطنية للشعب الفلسطيني، من خلال الإبعاد والنفي، القتل والاغتيال، السجن والتعذيب. وكذلك من خلال الاجتياحات والغزوات العسكرية التي تدمر حياتنا وحياة احبائنا. ومن خلال التهجير القسري، هدم المنازل، الاستيلاء على الأراضي، اقتلاع الأشجار، والإغلاقات. ومن خلال عنف المستوطنين الاسرائيليين، الذي يلقى الدعم سواء من خلال القوانين والسياسات الرسمية للحكومة الاسرائيلية، او الدعم غير الرسمي
من خلال التغاضي وغض البصر عن الانتهاكات التي لا تحصى لحقوق الإنسان، كبيرها وصغيرها. إن الألم الموجع الذي تختبره الأجيال وينتقل من جيل إلى الجيل الذي يليه – ألم فقدان الأحبة، والأرض، والمساحة النفسية والعاطفية، والكرامة، والثقافة، والكثير الكثير من الأمور الأخرى – ينطبع بعمق في الذاكرة والوعي الجماعي للشعب الفلسطيني.
استلهام الماضي يعني بالنسبة لنا اننا نأخذ العبر من تجاربنا، الناجحة والفاشلة منها. وفي نفس الوقت نحاول تجاوز حلقات الالم المختلفة التي مررنا بها، ونواصل السير، كافراد ومجموعات، نحو بناء مستقبلنا القائم على الحب، لمجتمعنا وارض وطننا. وعبر تكرار محطات التقييم واستلهام دروس الماضي، فاننا نزداد صلابة، ونواصل السير بمزيد من المثابرة والامل. ونشارك بفعالية في بناء عائلات متماسكة وقوية، ونطمح، ونبذل جهود خلاقة من اجل المستقبل في دولة فلسطينية تعيش في امن وسلام. على الرغم من ان الكثيرين منا ينتظرون بصبر حصتهم من المياه التي تتحكم اسرائيل في توزيعها. ننتزع الحياة، ونصلي من اجل ان يعود احبائنا الى بيوتهم سالمين. ان صمودنا عبر هذا التاريخ الطويل من المآسي يمكننا من مجابهة اقوى واصعب التحديات التي تهدد وجودنا. ونحن في المجتمع المدني الفلسطيني نميز الزمن عبر مواجهة التحديات، الداخلية منها والخارجية، بعزيمة واصرار.
ان تاريخ مركز المرأة للارشاد القانوني والاجتماعي مميز، هو ايضا، بهذه السلسلة من المآسي. الا اننا واجهنا التحديات المستمرة، عبر البناء ومراكمة العمل على التجربة الغنية من العمل المؤسسي لشق طريقنا نحو المستقبل. ولذلك اخترنا شعارنا "استلهام الماضي.. لبناء المستقبل" كشعار لخطتنا الاستراتيجية للسنوات الثلاث القادمة. ركزنا عملنا في الماضي على العمل مع مؤسسات المجتمع المدني الاخرى، ومع الشركاء من المجتمع المحلي، ومع اعضاء الائتلافات المحلية والاقليمية. وخلال دورتنا الاستراتيجية القادمة سوف نعمل على بناء علاقات مع المؤسسات النسوية، ومنظمات حقوق الانسان الدولية للاقرار بمسؤولية اسرائيل عن الخروقات المختلفة لحقوق الانسان الفلسطيني، ومحاسبتها على ذلك. لان حجم المأسي التي نواجهها في وقتنا الحالي جعلت من غير الممكن مواجهة آلة الاحتلال الاسرائيلية بجهدنا وقوانا الذاتية فقط، وانما يتطلب ذلك العمل على حشد المزيد من الجهود والقوى على المستوى العالمي لتحقيق هذا الغرض.
من هذا المنطلق، نحن نتطلع الى سنة مليئة بالعمل والبناء لتقوية وتعزيز علاقاتنا، بحكمة، تناغم وانسجام داخلي يعطينا الوقود الذي يمكننا من الابداع في مواجهة التحديات والمآسي التي تقف في وجهة مستقبلنا.
مها أبو دية شماس