رسالة مديرة المركز للعام 2008
تغييرات تفتح آفاقاً جديدة

شكل العام 2007 محطة مهمة أخرى في تاريخ مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي ومسار تطوره. فقد نقلنا مقرنا الرئيسي من منطقة الرام في القدس إلى رام الله، إلى مبنى جميل يطل برحابة على الجبال والوديان. ومن حسن حظنا أننا استطعنا أن نشتري ونرمم جزئياً هذا المبنى البسيط والمتين ذي النوافذ والشرفات الفسيحة والحديقة الجميلة. وساعدنا ذلك على تجميع الطاقم من عدة مواقع، مما أتاح جواً من التئام الشمل والعودة من جديد إلى الأيام الخوالي عندما كان يجمعنا جميعاً مكان واحد ويشعرنا بأننا معاً نشكل كلاً واحداً.
هذا القرار جاء نتيجة تعاظم الآثار السلبية للاحتلال الإسرائيلي، حيث يواصل الإسرائيليون تدمير الممتلكات والاستيلاء على الأراضي لصالح التطوير اليهودي، ويمعنون في التشدد في إجراءات المرور عبر الحواجز العسكرية ومنع إصدار تصاريح السفر وتقييد حركة السكان الفلسطينيين عامة وحياتهم اليومية بشكل متصاعد. كما يتواصل بناء الجدار الفاصل بطاقة كاملة، مع ورود تقارير عن أن العمل فيه قد شارف على الانتهاء. وكما هو الحال في كل أشكال الاحتلال والاستعمار، تصبح الفضاءات الجغرافية والنفسية والروحية للشعب الفلسطيني محتلة ومستعمرة في ذات الوقت. وقد أصبح القبول ببقاء الحال على ما هو عليه واللجوء إلى ما هو مألوف يمثل الملاذ المريح الوحيد الذي يستطيع أن يتصوره مجتمعنا، وبالتالي نساؤنا، على الرغم من الأخطار الجلية التي يحملها هذا الشكل من التفكير. ومن ناحية أخرى، أخذ التعصب الديني يغلب على الحاجة إلى جرأة التفكير الناقد والعمل حسب القناعات.
ثمة عامل آخر حفز انتقالنا إلى الموقع الجديد، وهو رغبتنا في تيسير وصول المنتفعات إلى الخدمات وتسهيل حركة أفراد الطاقم، وغالبيتهم من سكان الضفة الغربية. فقد أصبح الآن كل من المنتفعات والطاقم أكثر قدرة على الوصول إلى مكاتب المركز.
بدأنا عملية الانتقال الفعلي إلى مقرنا الجديد خلال صيف العام 2007. ويمكن للمرء أن يتصور كم هو من الشاق العمل على نقل وفرز وتصنيف ما تجمع في المكاتب من مواد على مدى 15 سنة. لقد كان علينا أن نطرح جانباً أو نعيد استخدام أو حفظ كم هائل من المواد والنشرات ومحاضر الاجتماعات والأنواع الأخرى من الوثائق والمستندات التي لم تعد لها قيمة أو تتوفر منها نسخ متعددة، إلى جانب إصلاح أو استبدال التجهيزات المعطلة أو القديمة. وخلال هذه العملية، تكشف تاريخ المركز من جديد أمام أعيننا، مثيراً حالة من التأمل الذاتي العميق في أمور على غرار كيف بدأنا، ومن كنا، ومن أصبحنا، وما الذي نطمح لأن نكونه. لقد رأينا كيف كانت محطات التحول الرئيسية في عملنا يستحثها على الدوام الوضع السياسي، وكيف عملنا على تغيير بنيتنا التنظيمية وتكييف برامجنا، مع المحافظة على رؤيتنا ورسالتنا وغاياتنا النسوية في جوهرها، حتى نتمكن من الاستجابة لاحتياجات النساء الفلسطينيات الدائمة التغير والسريعة التغير. وقد سببت هذه التكييفات والتعديلات دائماً ضغوطاً وتوترات تنظيمية، ولكن ما أن كنا نتخطاها حتى نجد أنفسنا قد ازددنا قوة وتصميماً.
إن الانفتاح في هذه البيئة المادية الجديدة، والذي يعكس وضعاً مغايراً تماماً لحالة لانحباس التي يجسدها الجدار الفاصل، إلى جانب نضارة المكتب الجديد قد عملا على تجديد طاقاتنا وعزيمتنا. لقد استعدنا حس الجماعة من جديد لدى طاقم المركز. ولذلك فنحن الآن أكثر تصميماً وقدرة من أي وقت مضى على مواصلة كفاحنا حتى تتمكن النساء في مجتمعنا من النمو والازدهار وليس مجرد البقاء والاستمرار.
وعندما ننظر أمامنا إلى العام 2008، فنحن نتوقع زخماً من الأنشطة السياسية المتلاحقة بفعل مؤتمر أنابوليس للسلام الذي أشرعته الحكومة الأمريكية. إلا أن تجاربنا مع مبادرات ومؤتمرات السلام تؤكد لنا أنه حتى في أفضل الأزمنة، فإن الفترات التي يروج لها خارجياً وعلى المستوى المؤسسي على أنها أوقات مفعمة بالأمل تؤدي دائماً إلى المزيد من الضائقة وإراقة الدماء على مستوى الحياة اليومية، تاركة تأثيرات سلبية أشد وطأة بالنسبة للنساء تحديداً. إن الانتقادات المحلية والدولية العديدة والشديدة للإطار السياسي والقانوني والشكوك حول الدوافع الحقيقية وراء انخراط كل الأطراف المعنية بالمرحلة القادمة من مفاوضات السلام تقودنا إلى التنبؤ بأن هذا العام سيكون محفوفاً بالمخاطر وبالمزيد من المصاعب المتنامية في حياة الفلسطينيين. فيمكن أن نتوقع تصاعداً في مستوى العنف الذي تمارسه الآلة العسكرية الإسرائيلية، وازدياداً في أعداد الشهداء والأسرى وفي عدد المنازل المهدمة، واستمراراً في تردي البيئة المادية بسبب الأنشطة العسكرية وبناء الجدار.
في ضوء هذا الوعي، فنحن يملؤنا التصميم على أن نحافظ على انخراطنا في كافة مستويات الحياة السياسية الفلسطينية، وسنفعل كل ما بوسعنا من أجل أن تحظى الأجندة النسوية بالاهتمام اللازم خلال الدورة القادمة من مفاوضات السلام. ولكننا في هذه المرة سنتصرف ونحن على يقين من أن مفاوضات السلام الآتية لن تقود إلى سلام حقيقي وإلى تقرير المصير للشعب الفلسطيني. بل سيكون هدفها الرئيسي ترسيخ التدابير التي تكفل احتواء النزاع وإدارته.
أما نحن فسنسترشد بآمالنا وتطلعاتنا الراسخة نحو الحرية والانعتاق من القهر وسنركز استراتيجيات مركز المرأة على التدابير التي يمكن لأجيال المستقبل من الناشطات في مجال حقوق الإنسان أن يقمن بالبناء عليها. نحن نجدد التزامنا بمواصلة العمل بإيمان في سبيل التحرر لكل النساء والرجال والأطفال الفلسطينيين ولكل من يعيشون في ظل الاحتلال والحكم الاستعماري. ونحن ندعو كل أصحاب الضمير في مختلف أنحاء العالم للانضمام إلى كفاحنا هذا.
مها أبو دية شماس