رسالة المديرة العامة لعام 2022

تضييق المساحات على المنظمات النسوية والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان من خلال الحصار الثلاثي بفعل الاحتلال الإسرائيلي الكولونيالي وسياساته الممنهجة ضد الفلسطينيين، وحملات التشهير من القوى التقليدية والمحافظة في المجتمع الفلسطيني، وضعف الإرادة السياسية للحكومة الفلسطينية في تحمل مسؤولياتها القانونية واتخاذ التدابير اللازمة للحماية والتصدي للهجمات المضادة، وتبني السياسات وفق مسؤولياتها بالعناية الواجبة.

29 أغسطس 2023

 

بمراجعة بسيطة لأحداث سنة 2022 نجد أنها كانت من أصعب السنوات على المنظمات الحقوقية والنسوية والمدافعات عن حقوق الإنسان، فقد شهدت ذروة الهجوم على هذه المؤسسات من عدة جهات، وذلك من خلال محاولة الاحتلال الإسرائيلي طمس صوت المؤسسات الحقوقية التي توثق وتبرز للعالم انتهاكاته لحقوق الإنسان ومخالفاته الجسيمة للقانون  الدولي الإنساني، إضافة إلى محاولات بعض المجموعات المتشددة والمحافِظة الرافضة لحقوق المرأة شن حملات تشهير ضد المؤسسات النسوية، والوقوف في وجه أي تطوير من أجل الإبقاء على الوضع القائم للمرأة الفلسطينية، وعدم تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. وفي المقابل لا نجد إرادة سياسية حقيقية لدى السلطة الفلسطينية للقيام بواجبها تجاه حماية المؤسسات، ليشكل هذا المستوى الثالث من الحصار على المؤسسات والناشطات والنشطاء.

خلال العام الماضي بذلنا المزيد من الجهود كمنظمة نسوية حقوقية لتحقيق رؤيتنا بتوثيق الانتهاكات الإسرائيليةلحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ضد النساء والفتيات، لإسماع أصوات النساء الفلسطينيات للعالم باستخدام الوسائل المتاحة كافة، في المقابل تتوقع المؤسسات الفلسطينية ومنها مركز المرأة أن تتلقى هجمات من الاحتلال نتيجة هذا العمل، لكن المفاجأة أن تشتد الهجمة من الداخل، وتبدأ جهات فلسطينية محافِظة بزيادة هجماتها ضد المؤسسات الحقوقية النسوية والناشطات وأحيانا يكون مصدر المعلومات لهذه الجهات مواقع يديرها الاحتلال ومؤسساته.

ولجعل أصوات النساء الفلسطينيات مسموعة؛ يعمل المركز على توثيق الانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال بحق النساء الفلسطينيات وعائلاتهن، وذلك لتحميل الاحتلال المسؤولية عن الانتهاكات التي يمارسها، من خلال جمع المعلومات الأولية والزيارات الميدانية وحملات المناصرة وتقديم التقارير إلى المؤسسات الدولية من خلال الصفة الاستشارية التي يتمتع بها المركز والتي تمكنه الاستفادة من الآليات الدولية المتاحة في الأمم المتحدة.

 

سلطنا الضوء على سياسات الاحتلال ضد الفلسطينيين وأثرها على النساء الفلسطينيات والفتيات، مثل سياسات هدم المنازل والحواجز والقيود على الحركة والحصار على قطاع غزة وحملات الاعتقال والاقتحامات الليلية للمنازل، ومصادرة الأراضي والموارد الطبيعية. وأظهر التوثيق الميداني تضرر النساء المباشر والمضاعف نتيجة هذه السياسات، علاوة على زيادة العنف الأسري ضد المرأة في المناطق التي تتعرض بشكل أكثر لانتهاكات الاحتلال، لتصبح معاناة المرأة معاناة مركبة يدفع الاحتلال إلى زيادتها وتعقيدها.

سياسات الاحتلال الممنهجة وقوانين جمع شمل العائلات والإقامة في القدس تزيد من صعوبة حياة النساء الفلسطينيات خاصة مَن هنّ من الضفة الغربية ومتزوجات من مقدسيين يحملون الهوية الزرقاء، وهذا يزيد الضغط على المرأة التي تبقى بحاجة إلى تصريح إقامة في القدس يتقدم بها الزوج إلى سلطات الاحتلال، واستصدار مثل هذا التصريح يمر بتعقيدات كبيرة، ما يعرض الكثير من النساء ضمن هذه الفئة لسيطرة وهيمنة الأزواج على تقديم طلبات الاقامة وجمع شمل العائلات، ما يعرض الزوجات من غير الحاملات للهوية المقدسية إلى العنف المبني على النوع الاجتماعي، وتزداد هيمنة الذكور على النساء، وتتنوع أشكال العنف ضد هذه الفئة، علاوة على عدم إمكانية تنفيذ أحكام وقرارات المحاكم الفلسطينية في القدس، ما يحرم النساء في كثير من الأحيان من حقهن في الحضانة والنفقة، أو حتى حق الاقامة مع أبناءهن،  ما يزيد من فرص تهرب الأزواج من تنفيذ التزاماتهم، بسبب الوضع الذي تفرضه سلطات الاحتلال على القدس وحَمَلة هويتها، وهنا يتخذ العنف المركب ضد النساء أشكالا أكثر تعقيدًا. لذلك عملنا على توثيق سياسات الاحتلال التمييزية، ومساعدة النساء، وتقديم الإرشاد لهن للحصول على حقوقهن القانونية.

شهد عام 2022 تصعيدا في استهداف الاحتلال للصحافة الفلسطينية، وكانت الصحافيات الفلسطينيات في واجهة الاستهداف، وأكثر الاستهداف دموية كان للصحافية شيرين أبو عاقلة التي قتلها الاحتلال على بوابة مخيم جنين، ورغم أنها كانت تتخذ كل  الاحتياطات الأمنية المهنية وتلبس الدرع الواقي، إلا أن الاحتلال قام بقتلها ولم يعترف بالمسؤولية عن جريمته. وشهدنا أيضا اعتقال الصحافيات والتضييق عليهن مثل اعتقال لمى غوشة وبشرى الطويل.

واستهدف الاحتلال المدافعين عن حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية، بما في ذلك المؤسسات النسوية، ووضع الاحتلال المؤسسات تحت قائمة "الإرهاب" بما في ذلك منظمات تقودها نساء. وتعمل جميع المؤسسات التي تم استهدافها في الحقل التنموي والصحي والحقوقي وبمهنية عالية، وضمن هذه المؤسسات مؤسسة الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال ومؤسسة الحق التي تعمل على توثيق وفضح انتهاكات حقوق الإنسان وجرائمه في المنابر الدولية لقد طال هجوم الاحتلال الجميع، حتى المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز التي واجهت هجمة إسرائيلية فور تعيينها. وجاءت هذه الهجمات بعد إنجازات فلسطينية على الصعيد الدولي مثل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية بشأن الآثار المترتبة على احتلال عسكري إسرائيلي طويل الأمد، بعد توصية لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق والتي قام مجلس حقوق الإنسان بتعيينها لرصد واقع حقوق الإنسان بعد العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة في أيار 2021.  ولم تكن هذه الإنجازات تحصل لولا عمل المؤسسات الحقوقية الفلسطينية.

كلما زاد الإنجاز زادت الهجمات، لكن الهجمة الأخرى كانت من مجموعات متشددة ومحافِظة رافضة لحقوق المرأة، في محاولة لخلط الأوراق وتشويه صورة العمل الهادف إلى تعزيز حقوق النساء في فلسطين، واتهام المنظمات النسوية والناشطات النسويات بتهم "تبني أجندات غربية"، "وتدمير" المجتمع الفلسطيني، في الوقت الذي نعمل فيها بجد للحفاظ على الأسرة الفلسطينية ونطالب بسن قوانين تحمي هذه الأسرة من العنف.

كان لمركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي نصيبه من جُملة الهجمة على المؤسسات النسوية والحقوقية التي تعرضت للهجوم من قبل هذه العناصر والمنظمات، وتعرضتُ شخصيا لجُملة من الهجمات والافتراءات على خلفية دعوة المركز إلى إقرار قانون حماية الأسرة من العنف، ومواءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقات التي انضمت اليها دولة فلسطين دون تحفظات منذ العام 2014.  . حتى الحملات ضد التحرش الجنسي بالأطفال أو تزويج الطفلات أو العمل ضد الفساد المبني على النوع الاجتماعي والمساعدة القانونية للنساء والفتيات المعنفات، كلها قوبلت بالهجوم والافتراء وتحميل هذه الأنشطة التي تهدف إلى حماية البنية الاجتماعية الفلسطينية وتقويتها ما لا تحتمل من ادعاءات وهجوم عليها.

أما الضلع الثالث لمثلث الهجوم، فوجدنا السلطة الوطنية الفلسطينية تتكفل بإكماله من خلال غياب الإرادة السياسية لحماية المؤسسات والناشطات، فقد غيبت مؤسسات السلطة نفسها وتخلت عن دورها في الحماية، بل توارت خلف المؤسسات وتركتها تواجه الهجمات والتحريض والافتراءات دون أي سند حقيقي، رغم البلاغات والشكاوى التي قدمت للجهات المختصة، لكن السلطة أبقت على الحال كما هو عليه ولم تحرك ساكنا.

ما زال الأمل يقودنا بأننا قادرات على تغيير الحال إلى الأفضل من خلال برامجنا وجهودنا التي نستمر بالعمل عليها ونراكم الإنجاز تلو الآخر شيئًا فشيئًا لنبني مجتمعًا فلسطينيًا حرًّا يقوم على مبادئ المساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية. لن نعود إلى الوراء، وسيبقى عملنا نقطة مضيئة في المجتمع الفلسطيني.

عملنا خلال العام الماضي وأنجزنا الكثير، ويسرني أن أشارككن/م النشرة السنوية لمركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي لعام 2022، التي تسلط الضوء على جهود المركز وإنجازاته والتحديات التي واجهتنا في إدارة عملنا

وفي النهاية أتقدم بالشكر الجزيل للزميلة صابرين سالم على جهودها الرائعة في إنجاز هذه النشرة وعملها الدؤوب في المركز، وأشكر فريق العمل في المركز على جهودهن/م جميعا خلال هذا العام، وأفخر بطاقم المركز لعطاءه وايمانه الراسخ برؤية ورسالة المركز والاستمرار بالعمل الدؤوب لتحقيق أهدافه، ونشرتنا السنوية هذه تتحدث عن نفسها عن الانجازات التي حققناها بالرغم من التحديات الجسيمة التي واجهتنا